قطب الدين الراوندي
277
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ارفعوا فواللَّه ما شبعت ولكن مللت وتعبت ، وكان ذلك من دعاء النبي صلى اللَّه عليه وآله ، إذ بعث إليه يستدعيه فوجده يأكل ، ثم بعث إليه آخر فوجده على حالته الأولى يأكل ، فقال عليه السلام : اللهم لا تشبع بطنه . وقال الشاعر : وصاحب لي بطنه كالهاوية * كأن في أمعائه معاوية ومندحق البطن : أي خارج البطن ، يقال اندحقت رحم الناقة أي اندلقت ، ويقال لتلك الناقة التي تخرج رحمها بعد الولادة « دحوق » . وهذه صفة معاوية ، وانما لم يصرح عليه السلام باسم معاوية لوجوه : منها أن أصحابه لو سمعوا منه ذلك صريحا انكسر قلوبهم وقد حدثه النبي صلى اللَّه عليه وآله بذلك . وقوله « فأما السب فسبوني فإنه لي زكاة » له وجهان : أحدهما : ما ورد في الأحاديث أن ذكر المؤمن بسوء هو زكاة [ له وان ذمه بما فيه زيادة في جاهه وشرفه . والثاني : ان معنى قوله « فإنه لي زكاة » ( 1 ) ] أي فان السب لي نماء وعلو قدر ، فان ذكري يعلو على السب ولا ينقص سب ولا شتم من جاهي شيئا بل أزيد به شرفا إلى شرف . والذي يدل على صحته أن بنى أمية كانوا يلعنونه ألف شهر على منابرهم ، فما زاده إلا سناء ورفعة وما زادهم في الناس إلا تخضعا . وهذا مقتبس من قوله تعالى « مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ » ( 2 ) الآية . وانما جعل عليه السلام الولادة على الفطرة علة لامتناعهم من التبري منه ، لان المؤمن المعصوم الذي لم يرتكب ذنبا قط لا يجوز أن يتبرأ منه بل يجب
--> ( 1 ) ما بين المعقوفين ليس في د . ( 2 ) سورة النحل : 106 .